علي الأحمدي الميانجي

44

شرح دعاء أبي حمزة الثمالي

وَالحَمدُ للَّهِ الَّذي اناديهِ كُلَّما شِئتُ لِحاجَتي [ بحاجتي ] « 18 » وأخلو بِهِ حَيثُ شِئتُ لِسِرّي بِغَيرِ شَفيعٍ فَيَقضي لي حاجَتي « 19 » النداء : رفع الصوت وظهوره ، وقد يُقال للصوت المجرّد دون المعنى ، كما في قوله سبحانه : « كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً » ، « 1 » أي لا يعرف إلّامجرد الصوت دون المعنى ، وذلك يناسب لدعاء البعيد للبعيد ، ولعلّ استعمال هذه الكلمة فيما بين اللَّه تعالى وبين عبده من أجل البعد الرتبي بين الخالق والمخلوق ، والواجب والممكن ، والغنيّ بالذات والفقير بالذات ، وبين القادر والعاجز ، لاسيّما إذا رأى العبد نفسه عاصياً ومقصّراً ، وعادماً للفضائل والكمالات ، وفي الدعاء : « وكن لدعائي مجيباً ومن ندائي » ، « 2 » أي سريع الإجابة ؛ لأنّ القرب ليس المراد منه القرب المحسوس ، بل هو المعنوي برحمته ورأفته وكرمه . والغرض من هذه الجملة بيان إذنه تعالى لعبده في الدعاء كلّما شاء وحيثما أراد ، تحنّناً وكرماً منه تعالى ، بل أمره له بالدعاء ؛ فلو لم يأذن لم يكن له الدعاء والنداء ، قال عليه السلام : « يا من ذكره شرف للذاكرين » ، « 3 » أي ذكره تعالى باللّسان أو القلب شرف لذاكره وفائدته عائدة إليه ، وفي الدعاء « فأمرتنا بذكرك ووعدتنا عليه أن تذكرنا ، تشريفاً لنا وإكراماً وتفخيماً وإعظاماً » « 4 » و « لولا الواجب من قبول أمرك لنزّهتك من ذكري إيّاك » . « 5 » « وأخلوا به » الخلاء : المكان الذي لا سائر فيه من بناء وساكن ، وخلى فلان بفلان ؛ صار معه في خلاء . إشارة إلى قربه تعالى من عبده برحمته وكرمه ، حتّى قال عزّ شأنه : « وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ » ، « 6 » وقال عزّ وجلّ : « أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ » ، « 7 » فمن جهته هو سبحانه قريب من عبده وعالم بجميع أُموره ومحيط به ، يعلم ما في صدره ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فيخلو العبد به ويناجيه ويبثّ إليه أسراره ،

--> ( 1 ) . البقرة : 171 . ( 2 ) . الصحيفة السجّادية : الدعاء 13 . ( 3 ) . الصحيفة السجّادية : الدعاء 11 . ( 4 ) . الصحيفة السجّادية ( مناجاة الذاكرين ) : ص 419 . ( 5 ) . الصحيفة السجّادية ( مناجاة الذاكرين ) : ص 418 . ( 6 ) . ق : 16 . ( 7 ) . الأنفال : 24 .